ما هو الاستشراف

الاستشراف هو مجموعة من الأنشطة التي تعمل على تحسين عملية صنع القرار، ويكمن الهدف الأساسي من الاستشراف في أن تغدو في موقف أقوى في المستقبل، في حالة من الاستعداد لطائفة من الاحتمالات. ففي مفهومنا، لا يوجد مستقبل واحد، وانما مجموعة من الاحتمالات التي قد تحدث في المستقبل، مهمتنا هنا، هوالاستعداد لكل تلك الاحتمالات المطروحة.

ولا يسعى الاستشراف فقط إلى تحديد المخاطر، ولكن يعمل أيضاً على إيجاد فرص المستقبل لاقتناصها.

فالاستشراف ليس تنجميا او الاطلاع على الغيب، ولا نقول هنا اننا بإستخدام ادوات هذا العلم سنكون قادرين على معرفة المستقبل، وانما توقع احتمالات قد تحدث بنسب متفاوته والاستعداد لكل احتمال.

غاية الدراسات المستقبلية هو توفير إطار زمنى طويل المدى لما قد نتخذه من قرارات اليوم.

الفرق بين التخطيط الاستراتيجي والاستشراف المستقبلي

هناك خلط بين التخطيط الاستراتيجي والاستشراف الاستراتيجي المستقبلي، فالتخطيط الاستراتيحي قد يمتد الى خمس او عشرة سنوات، بينما الاستراف المستقبلي يمتد الى 25 سنة او اكثر، عندما تتم عملية التخطيط الاستراتيجي، فإن يتم التركيز على مجال معين لوضع الخطة له، كالتخطيط في المجال الاقتصادي، الامني او التعليمي، بينما ليتم البدء بالاستراف الاستراتيجي، يتطلب النظر الى جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، وتفحص كل مجال على حذه. ان التخطيط الاستراتيجي لاحق للاستشراف المستقبلي، فإن نسبة نجاح الخطط الاستراتيجية ستكون اكبر لو كانت مبنية على استشراف مستقبلي، بل انه من المستغرب بناء خطة استراتيجة بدون ان يكون هناك خطة واضحة طويلة المدى. الخبير المستقبلي قادرة على اعطاء المخطط الاستراتيجي الفرص التي سيحصل عليها على المدى البعيد وماهي المخاطر المتوقعة ايضا. .

خبير الاستشراف قادر على اعطاء بدائل واحتمالات المستقبل المتوقعة في مجال ما، سيقوم متخذ القرار بإختيار احدى تلك البدائل، المخطط الاستراتيجي مهمته وضع خطة لتحقيق ذلك المستقبل.

مثال توضيحي لتبيان الفرق بين الاستشراف الاسترتيجي والتخطيط الاستراتيجي:

السفينة التي تحتوي على بحارة، مهامهم مختلفة ومقسمة، واحد فقط وهو اخفهم وزنا مكلف بالصعود الى اعلى نقطة في السفينة والنظر الى الامام، هو الوحيد الذي يستطيع معرفة مالذي قد تواجهه السفينة، فينظر الى الافق البعيد جدا، ليقول الى القبطان ان السفينة قد تتعرض الى بعض المتاعب ولكنني لا استطيع ان اجزم ماهي، قد تكون عاصفة امامنا، او امطار غزيرة او قراصنه. مهمة القبطان هنا تكليف البحارة للاستعداد لكل تلك الاحتمالات المتوقعة، والتغلب عليا في حالة وقوعها. فالبحار الصاعد للاعلى هو المستشرف، القبطان هو متخذ القرار، والبحارة هم اصحاب الخطط الاستراتيجية والتشغيلية.

عالم الاجتماع " س. كولم جليفيلان " الذي يعتبر أول من درس علم المنهجيات بجدية بدء من عام 1907 وأول من صاغ أسما لعلم المستقبل في رسالته لنيل شهادة الماجستير التي قدمها عام 1920 لجامعة كولومبيا حيث اقترح مصطلح ملنتولوجي المشتقة من كلمة يونانية بمعنى " المستقبل ".

وتعتبر مؤسسة راند هي الراعي الأكبر للدراسات المستقبلية المنهجية ، والتي تأسست عام 1948، والتي اتبعت مناهج ووسائل جديدة في محاولة للسيطرة على أحداث المستقبل و استشرافه، كما أسهمت هذه المؤسسة في إفراز عدد كبير من كبار المستقبليين

وكذلك جاءت محاولة العالم الرياضي " أولف هليمر " الذي نشر مع زميله، الباحث في مؤسسة راند، نيكولاس ريتشر عام 1959 دراسة عن " نظرية المعرفة للعلوم غير الدقيقة " قادت إلى قاعدة فلسفية للتنبؤ هي أن شهادة الخبراء مسموح بها في الحقول التي لم تتطور بعد. وسعيا نحو تطوير هذه القاعدة اشترط مع زميله في راند " نورمان دالكي " في وضع أساس نظري لاستخدام رأي الخبراء في التنبؤ من خلال أسلوب أسماه " دلفي " نسبة إلى معبد دلفي في أثينا القديمة ثم طوره بعد ذلك مع زميله في راند أيضا المهندس " ثيودور ج جوردون ". وهذه التقنية هي التي فتحت الباب على مصراعيه للدراسات و البحوث المستقبلية في كافة المجالات و التخصصات.

ومع أوائل ستينات القرن العشرين ازدادت دراسة المستقبل مكانة واهتماما بشكل مضطرد بعد ما كان ينظر إلى العالم المهتم بالمسائل المستقبلية كأنه "زنديق" أو شيئا بين "العراف" أو "كاتب قصص الخيال العلمي" .

كما بلغت الحركة المستقبلية ذروتها السياسية عندما أنشئت سكرتارية للدراسات المستقبلية عام 1973 تابعة لرئاسة الوزراء في السويد والتي كان لها فضل تقديم عدد غير محدود من الدراسات المستقبلية الهامة لاسيما في مجالات التعليم والأمن القومي السويدي.

ولقد تأثر بعض الكتاب بهذا النوع من الدراسات الموجهة نحو المستقبل حتى أنهم تبنوا القضية. وخاصة ألفين توفلر الذي نعتبره "عميد الفكر المستقبلي المعاصر"، وقد بدأ بمقالة هامة في عام 1965 في مجلة Horizon بعنوان: "المستقبل سبيلا للحياة". وكذلك " المقالة الطويلة في مجلة "Time " والتي استخدم فيها مصطلح " علماء المستقبل " ليعبر عن البارزين في عملية تأسيس ودفع هذا المجال البحثي، وتلاحقت كتاباته حتى الآن من خلال أشهر كتاباته هي ثلاثيته: صدمة المستقبل (1970)، والموجة الثالثة(1980)، وتحولات القوة (1990).

وقد ترتب على كل ما سبق ظهور اهتمام جاد في العالم وخاصة في الولايات المتحدة لتأسيس عدد من المعاهد والمراكز البحثية لدراسة المستقبل، على نسق مؤسسات راند، ومعهد هدسن، ومعهد ستانفورد للبحث، ومعهد المستقبل، فأنشئ معهد فينا في النمسا وجمعية مستقبل العالم في واشنطن العاصمة عام 1966 التي أصدرت في فبراير عام 1967 دورية هامة مازالت تصدر حتى الآن. وهذه الجمعية مسئولة إلى حد كبير عن ظهور المشاركة الشخصية في حركة المستقبليات في أمريكا الشمالية، فتحت رعايتها تم عقد المؤتمر العالمي الأول للمستقبل في "تورنتو" بكندا في يوليو عام 1980 والذي حضره أكثر من ستة آلاف عالم.

هناك عدة تقنيات وادوات تستخدم لاستشراف المستقبل، فقد صنفها "مشروع ميلينيوم " لعلوم المستقبل الى 36 اداة قابلة للزيادة. بالاضافة الا التقنيات الاخرى التي لم تصنف بعد ولكنها تستخدم عند بعض العلماء. ونلفت هنا الى ان اي مؤسسة بإمكانها تطوير اداة ونظرية خاصة بها لاستشراف المستقبل، وهذا ما اقوم به حاليا. تلك التقنيات وغيرها، ما هي الا وسيله لتقود فريق الاستشراف الى التفكير الابداعي وايجاد البدائل المبتكرة في موضوع معين، فمثلا بإمكان فريق الاستشراف استخدام نظريات العصف الذهني والقبعات الست مثلا كبداية للتفكير المستقبلي، ومن ثم البدء بتطبيق تقنيات

من ادوات وتقنيات استشراف المستقبل المعروفة والتي تستخدم على نطاق واسع حاليا، تقنية السيناريوهات، تقنية دلفي، دولاب المستقبل، تقنية التفتيت وكذلك تقنية المحاكاة.

ان استشراف المستقبل والتنبؤ به ليس مقتصرا على استخدام نظريات عند فريق متخصص وخبير بالمستقبل، وانما قد يمتد الى عامة الناس، فمجرد امتلاكك لمخيلة ابداعية خصبة فمن السهوله التنبؤ لما قد يحصل في مجال معين. مثال على ذلك، فقد رسم الفنان الكاريكاتوري المعروف ستيفن جونسن عام 1992 صورة تخيلية لما قد تكون عليه النظارات في المستقبل، وهو ما تحقق فعلا من الاعلان عن نظارة قوقل في العام الماضي. ( صورة الرسمة) .

ليس عندي معرفة بالضبط متى دخل هذا المفهموم في الدولة، ولكن قد قمت بقديم عرض تقديمي عن اهمية وجود وحدة تنظيمية في المؤسسات الحكومية وخاصة مؤسسة الشرطة في شهر نوفمبر 2013، وقد لاقى هذا المقترح قبولا وتشجيعا من مديري المباشر ومن المدير العام للاستراتيجية وتطوير الاداء. من ذلك اليوم وانا اعكف على تعلم ذلك المفهوم والتركيز على تقنياته الملائمة للعمل الشرطي، بغية التخصص فيه. كما انني حاليا في طور اعداد رسالة الدكتوراة في الاستشراف المستقبلي في احدى جامعات المملكة المتحدة.

ثم بعد ذلك جاءت القمة الحكومية التي عقدت في فبراير 2015 والتي كانت بعنوان استشراف حكومات المستقبل لتأكد على اهمية هذا المجال و دليلا قويا على سعي الدولة لجعل استشراف المستقبل تطبيقا اساسيا وربطه بالاستراتيجيات والتخطيط لما فيه مصلحة المجتمع وتوقع احتياجات افراده المستقبلية والعمل على وضع الحلول والبرامج لتلبيتها.

في تاريخ 7 مارس 2015 اطلق سيدي رئيس مجلس الوزراء حالم دبي نموذجا جديدا للتمير في الحكومة الاتحادية، حيث سيتم تقييم جميع الجهات بناءا على نتائجها وعلى قدرتها على الابتكار واستشراف المستقبل.

جاءت بعد ذلك أوامر سيدي سمو نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية بعقد منتدى استشراف شرطة المستقبل والذي عقد مباشرة في ابريل الماضي. والذي كانت أهم توصياته استحداث وحدة تنظيمية لاستراف المستقبل في وزارة الداخلية وضرورة نشر هذا المفهوم بين الموظفين، وكذلك اهمية تدريس هذا العلم في الكليات ومدارس الشرطة في الدولة.

هل هو علم نظري ام له معايير تطبيقية تمكن العاملين فيه من تطبيقه على ارض الواقع

استشراف المستقبل شأنة شأن العلوم الاخرى، مبني على التنظير، ولكن تلك النظريات اثبتت فعاليتها على ارض الواقع. فالتخطيط الاستراتيجي مثلا يحتوي على الكثير من النظريات، ولكن ايضا يتم تطبيقه على الواقع العملي.

ما هي المجالات التي يستخدم فيها هذا العلم

ان استشراف المستقبل والتنبؤ بخباياه ليس مقتصرا على المؤسسات والحكومات فقط، بل يمتتد الى الافراد، فمثلا: قد يلجأ احد الموظفين الى خيارالتقاعد من وظيفته في السنة القادمة، ويريد ان يعلم هل قراره صحيحا ام ان هناك عقبات سوف يواجهها في المستقبل، فهنا سينصح بإستخدم تقنية دولاب المستقبل، فمن خلالاها سوف يتعرف على العوامل المباشرة وغير المباشرة التي سوف تأثر عليه في المستقبل، وبالتالي سيقرر بالمضي قدما في التقاعد ام الانتظار قليلا.

استشراف المستقبل لا ينحصر على مجال معين كما يعتقده البعض كالسياسة والاقتصاد، بل انه يمتد الى جميع المجالات التي تمارسها الحكومة الاتحادية، فمالضير من وجود خطة استشرافية للتعليم في الدولة تصل الى مائة عام، ما الذي يعيق من وجود خطة مستقبلية واضحة لما ستكون عليه الدولة عام 2100

اقترح انشاء مركز للاستشراف المستقبلي في الحكومة الاتحادية، يكون مقرة مكتب رئاسة الوزراء وانشاء إدارة للاستشراف المستقبلي في كل وزارة وربطها بذلك المركز. ان الاستشراف المستقبلي يختلف تماما عن التخطيط الاستراتيجي، فلابد من وجود ربان واحد للاستشراف في الدولة، غير ان التخطيط الاستراتيجي قد يكون في كل وزارة او ادارة على حده. ان الاستشراف المستقبلي يجب ان تظلله منظومة استشرافية متطورة عصرية واحدة، هذا المنظومة هي التي تقود الدولة للمستقبل.

ما اهمية تطبيقه على مستوى حكومة الامارات

دور الاستشراف في تطوير العمل المني والحد من الجريمة

إن مفهوم الأمن أخذ يتغير، وأدوات مكافحة الجريمة أصبحت من الماضي، على سبيل المثال، يتم بناء السجون بجدران عالية لمنع الناس من الهرب والحيلولة دون دخول المواد الممنوعة إلى السجن. ولكن الآن، توفرت الطائرات بدون طيار التي بإمكانها بسهولة نقل المواد المحظورة إلى السجن وفي يوم من الأيام سوف تكون قادرة على مساعدة السجناء على الهرب. كذلك الطابعات الثلاثية الابعاد، فقد توصلت احدى الشركات إلى انتاج مسدسات بتلك التقنية قابلة للاطلاق، فماذا تتوقع في المستقبل... بازوكا مثلا !!! فالمجرم سينتقل بين مطارات الدول حاملا سلاحه بيدة ولن يفتش ابدا، تعرفون لماذا؟ لانه ببساطا حاملا طابعته الثلاثية الابعاد والتي حالما يصل الى الدولة المقصودة، سيبدأ بطباعه سلاحه القاتل، وماهي الا ساعتين وبيده السلاح.

ان بسبب طبيعة الإنترنت التشابكية صرنا نعيش في عالم تساقطت حدوده كلها. فاليوم يستطيع أي شخص السفر بسرعة الضوء عبر أنحاء الكرة الأرضية من خلال شبكة الإنترنت. هذه أخبار سارة طبعًا بالنسبة إلى بعض المجرمين، إذ صار بوسعهم الانتقال افتراضياً من دولة إلى أخرى بهدف إحباط مجهودات الشرطة في القبض عليهم، بعد أن تعلّموا كيف يحمون أنفسهم من التعقب عبر الإنترنت. فقرصان الإنترنت )أو الهاكر( الذكي لن يشن أبداً هجوماً مباشراً على بنك في البرازيل من شقته الخاصة في فرنسا، بل سيتنقل بهجومه الإلكتروني من شبكة ضعيفة الحماية إلى أخرى، من فرنسا إلى تركيا ثم إلى السعودية مثلاً؛ وصولاً إلى هدفه الأساسي في البرازيل. وهذه القدرة على التنقل إلكترونياً وتجاوز الحدود بين الدول تتسبب في نشوء مشكلات قضائية وإدارية كثيرة للشرطة، وهي أحد الأسباب الرئيسة وراء صعوبة إجراء التحقيقات في قضايا الجريمة الإلكترونية، لأن ضابط الشرطة في باريس مثلاً لا يملك أية سلطة للقبض على أحد قراصنة الإنترنت في البرازيل.

يفتقر قطاع الشرطة الى التواصل مع خبراء المستقبل والتنسيق معهم، كما انه لايوجد - على حد علمنا - اي وحدة استشراف تابعة لاجهزة شرطة محددة في العالم.

المجالات الشرطية ا لتي يخدمها مفهوم الاستشراف

ان الاستشراف سيخدم جميع المجالات الشرطة، وسنعطي مثالا واحد. بحلول عام 2030 ستختفي اكثر من ملياري وظيفة، وفي نفس الوقت ستظهر وظائف اخرى بنفس العدد، من تلك الوظائف مبرمج ومصمم طابعات الثلاثية الابعاد، مصمم طرق ذكية، مخطط انظمة الطرق الذكية، وظيفة مصمم رجل آلي، مصمم واقع افتراضي، وغيرها الكثير، فدور الموارد البشرية البدء من الان بإعداد كوادرها البشرية لوظائف المستقبل.

لا يمكن ان نستمر بتخطيطنا الاستراتيجي من دون استشراف المستقبل وتوقع سيناريوهاته... ان ذلك يدخل في مسارات عمل اكثر من ادارة واختصاص كمكافحة الارهاب والجرائم والاتجار بالبشر وتقنية المعلومات ومكافحة الجريمة الالكترونية ...بالاضافة الى ادارات التخطيط والتدريب والموارد البشرية.

يفتقر قطاع الشرطة الى التواصل مع خبراء المستقبل والتنسيق معهم، كما انه لايوجد - على حد علمنا - اي وحدة استشراف تابعة لاجهزة شرطة محددة في العالم.